نصر حامد أبو زيد

226

الاتجاه العقلي في التفسير

( 3 ) انتهى المعتزلة إلى تثبيت مسؤولية الانسان عن فعله ، وانتهوا - من ثم - إلى تأكيد مبدأ العدالة الإلهية . وكان عليهم أن يستدلّوا على صدق قضيتهم بآيات من القرآن لم يسلّم لهم خصومهم بدلالتها على ما يريدون . ولقد أثارت مسألة خلق الانسان لأفعاله حساسية أهل السنة والأشاعرة ، على أساس أن هذا الزعم يؤدّي إلى الشرك « إن قلتم أن الواحد منا يخلق أفعاله من طاعة ، أو معصية ، أو ايمان ، أو كفر فقد شركتم بيننا وبين اللّه تعالى في الخلق وأنه لا يتم خلقه إلّا بخلقنا . وذلك أن الجسم لا يخلو من حركة ، أو سكون ، أو كفر ، أو ايمان ، أو طاعة ، أو معصية ، فصح أن جميع الذوات مشتركة الخلق بين العبد وبين الرب وأنه لا يتم خلق أحدهما إلّا بمخلوق آخر . وهذا شرك ظاهر نعوذ باللّه منه » 268 . وبالرغم من تهافت هذا الالزام الذي يستند إلى التسوية بين الفعل الاختياري والفعل الاضطراري الذي لا ينفك عنه الجسم ، فقد سعى المعتزلة لمحاولة نفي هذا الاتهام . وكان الخلاف الأساسي بينهم وبين خصومهم حول امكانية أن يسمى الانسان « خالقا » لأفعاله . ويبدو أن كلمة « خالق » هي التي أثارت كل هذا الخلاف لما يمكن أن تؤدي إليه من التسوية - على الأقل في الوصف - بين اللّه والانسان . ورغم أن المعتزلة قد رفعوا التناقض بين أفعال العباد وأفعال اللّه ، وأعطوا لهذه الأخيرة الأولوية في الوجود 269 إلّا أن وصف الانسان بأنه خالق ما تزال تحتاج منهم لبعض الجهد حتى لا يصبح للخصوم أي شبهة عليهم . والجهد هنا جهد لغوي حول تحديد معنى « الخلق » وقد اختلف هذا التحديد بين أبي علي الجبائي وأبي هاشم أساتذة القاضي عبد الجبار ، الذي يعرض الرأيين ويرجح بينهما « وقد قال شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه ، إنما سمي الخالق خالقا من حيث قصد بالفعل إلى بعض الأغراض . وقال : إن تسمية المخلوق توجد من معنى هو الخلق ، والخلق والتقدير هما ارادتان ، ولا يوصف الخلق بأنه خلق إلّا والمخلوق موجود . ومتى كان معدوما لم يسم خلقا ، والتقدير لا يسمى خلقا إلّا بشرط وجود المقدور ، ولا مخلوق إلّا محدث ، وقد يكون محدثا ليس بمخلوق ، لأنه يفيد صفة زائدة على حدوثه » 270 . ويلفتنا هذا النص إلى ثلاثة أمور : الأول أن الخلق فعل مقصود لتأدية غرض ما ، والخالق يسمى كذلك لأنه يقصد بفعله إلى بعض الأغراض ، ولا يفعله عبثا أو خبط عشواء ، أو على سبيل السهو والنسيان . الأمر الثاني أن المخلوق مشتق من معنى هو الخلق . والفرق بين الإرادة - وهي معنى أيضا - والخلق ، أن الخلق لا يسمى كذلك إلّا والمخلوق موجود . أي أن الخلق ، وإن كان معنى ، يرتبط